English Arabic

Prof Faisal Abdullatif Alnasir

MBChB, FPC, MRCGP, MICGP, FRCGP, FFPH, PhD
Honorary Faculty: Dept. of Primary Care, Imperial College, London
Former chairman: Dept Family & Community Medicine
Former Vice President: Arabian Gulf University
Former President: Scientific Council;
Family & Community Medicine Arab Board for Health Specialties
General Secretary: International Society for the History of Islamic Medicine
WHO, EMRO Advisor
WONCA EMR Research Committee.

مقالات

الخطــــأ الطبــــي

البروفيسور/ فيصل عبد اللطيف الناصر
أستاذ ورئيس قسم طب العائلة
نائب رئيس جامعة الخليج العربي السابق
الخطــــأ الطبــــي

لقد تطورت وارتقت المجالات التقنية والعلمية ذات العلاقة بالطب ومهنة التـَطـبيب إبان فترة وجيزة من الزمان بخطوات واسعة عبر مراحلٍ متتاليةٍ وسريعةٍ إلى الأمام، إذ استُحدثت الوسائل والأجهزة المُعَقَدة المُسَاعدة في التشخيص والعلاج. وعلى الوجه الآخر، اجتاحت بيئة الإنسان العديد من الأمراض والعِلًل المُعاصرة المجهولة الأسباب، ما لبثت وأن شَكٌَلت تحدياً كبيراً وخطيراً، سواء في التشخيص أو في توافر العلاج الفَعٌال لدرء شرها... ويبقى العامل البشري، بخصوصيته وبصفاته المتنوعة وتميزها، وبأحاسيسه الإنسانية الخاصة والمرهفة، يُجَسد العنصر الأهم والمستوجب لأقصي درجات الإنتباهه، لا غرو وهو الأساس علي جُملة جَوانب الوقاية والتشخيص والعلاج الطبي. وقد يكون الإنسان المداوي المُعالج في بعض من الحالات، بالخطأ المباشر أو بالنسيان أو الإهمال، السبب الرئيس والمباشر في مِـحـنة وابـتـلاءات المشـاكل الطبية. ويُستَدل على هذا وذاك، بـتـوارد الكـثيـر من القِـصَـص و الروايات حول أخطاءٍ عند التطبيب يتعرض لها المريض، سواءً كانت من جَراء تجاوزات محدودة في عمليات بسيطة، أو أخطاء جسيمة قد أدت إلى ابتلاء المريض بعاهات مُزمِنَة و أزمات نفسية مُستديمة وطويلة الأجل. وعليه يـبـرز التفاوت والتباين في قياس وتقييم مدي تلك الأخطاء ومترتباتها في الممارسة الطبية من البسيط المحدود الأثر إلى العظيم مُتَسع الآثار منها. وللحيلولة دون هذه الأخطاء، الجَسيمةَ منها والمُستَصغَرة، أو تقليصها، استوجب إتباع منهجية وأساليب متنوعة ومستمرة في التطوير، ابتداءً من التأهيل والتهيئة والتدريب للطبيب والكادر المساعد المُستَوعَب في المجال الطبي الي سقف مواكبة مُستَحدثَات مهنة التطبيب، وبالأخص الإعداد الأمثل للإنسان الطبيب أولاً وإتقان تأهيله لتحمل المسئوليات الجسيمة قبل أن يؤهل ويُشهَد له كطبيب مداوم. هذا ومن المُسَلم به إمكانية تحقيق الغاية أعلاه، بل وفي يُسـر عَملي مُريح، علي خلفية يقظة جوانب الإنسان في شخصية الطبيب. ومن هنا تُحسب تغذية وإشباع جُرعَات التهيئة والسمو في جوانب شخصية طالب الطب والاهتمام بجوانب سماحة الخلق وتنميتها، يجب أن تعتبر من أهم أولى أولويات الأساتذة المربين القائمين على التعليم الطبي كما لابد أن تكون أرفع استراتيجيات الكليات الطبية ومعاهد العلوم الطبية المساندة. ولا جِدال في هذا وقد أسهبت مؤلفات العلماء وأعلام الطب علي امتداد العصور والتاريخ في التركيز عليها وإبراز الشروط والمواصفات الخاصة والمُفتَرض تلمسها ومعايشتها في الطبيب الأنجح الإنسان، يذكر منهم، علي سبيل الذكر وليس الحَصر، مخطوطات رعيل الأطباء المسلمين الأوليين، كابن سينا والرازي والرهاوي (1,2,3) وإسهاماتهم التربوية الرصينة في سرد صفات وأخلاقيات الطبيب وفروض العين الواجب توفرها في شخصيته، ويـُسـتَـشـهـد في هذا المقام بـمسمي ومضمون كتاب الرهاوي والمُعَنون "أدب الطبيب".
(3) الأستاذ عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة و أستاذ العلوم الشرعية بجامعتي الأزهر والجامعة الأمريكية المفتوحة يقول: "اهتم فقهاء الإسلام بآداب مزاولة مهنة الطب، فذكروا كثيرًا منها في كتبهم إدراكًا منهم لأهمية هذه المهنة، بحُسبانها وسيلةً لحفظ الصحة الموجودة وردِّ الصحة المفقودة وإزالةِ العلة أو تقليلها، ومن هؤلاء الفقهاء تاج الدين السبكيّ الشافعيّ، الذي ذكر بعض هذه الآداب فقال: "من حقه بذلُ النصح والرفقُ بالمريض، وإذا رأى علامات الموت لم يُكرَه أن ينبِّه على الوصية بلطف من القول، وله النظرُ إلى العورة عند الحاجة بقدر الحاجة. وأكثرُ ما يُؤتَى الطبيب من عدم فهمه حقيقةَ المرض، واستعجالِه في ذكر ما يصفه، وعدم فهمه مِزاجَ المريض، وجلوسه لطب الناس قبل استكمال الأهلية. وعليه أن يعتقد أن طبَّه لا يردُّ قضاء ولا قدرًا، وأنه إنما يفعل ذلك امتثالاً لأمر الشرع، وأن الله ـ تعالى ـ أنزل الداء والدواء".
4)) ومن الفقهاء أيضًا ابنُ الحاج المالكيّ، الذي عدَّد بعضًا من هذه الآداب فقال: "أن يكون الطبيب خالص النية في عمله لله ـ تعالى ـ حتى يكون عمله من أعظم العبادات"
(5) فضلاً عن سِمات الطبيب في إتقان الممارسة وسمو العلم وصقل الخبرات والارتقاء بها، فأنه من اللازم الجازم أن يزدان الطبيب بسماحة الخُلق وأكرم الصِفَات، فلن تَستَعوض التكنولوجيات ومستحدثات التقانة وحسن التهيئة لمواقع التطبيب، أبداً، عن الحس الإنساني لدى الطبيب المُمَارض، حيث أنه بأحاسيسه وإنسانيته المرهفة وخبراته الطويلة ومعارفه ببواطن المرض يتمكن من توجيه وقيادة تلك التكنولوجيا ومُستحدث الوسائل لإشفاء المرضى وإبراء مواضع العِلل. ومع تسليمنا والإقرار بأن الطبيب، من قـَبلٍ ومن بـَعد، إنسان مُعَرَضٌ لما يصيب الآخرين، فالخطأ والنسيان والهفوات من صفات البشر قد يستصعب تفاديها أو البراءة منها لغير المعصوم من الخطأ. في حديث أبي داود "كل ابن آدم خطاء.. وخير الخطاءين التوابون، ويروى عن المسيح أن بغياً جاءت إليه، فجعل أصحابه ينظرون إليها باشمئزاز فقال: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر"
(6) . يقترح أ.د. عمر حسن قاصولي وكيل كلية الطب لشئون الدراسات العليا والأبحاث في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا بأن تعتمد نظرية الأخلاقيات الطبية في الإسلام على مقاصد الشريعة الخمس، والتي تعتبر أيضا مقاصد الطب، أي أغراضه, هذه المقاصد الخمس هي: حفظ الدين، حفظ النفس، حفظ النسل، حفظ العقل، وحفظ المال. وأيّ عمل طبي يجب أن يحقق هذه المقاصد حتى نعتبره أخلاقيا، ويعتبر أي إجراء طبي يخرق أيّا من هذه المقاصد إجراء غير أخلاقي, كما يقترح -أيضا- أن تستمد القواعد الأخلاقية الأساسية في الإسلام المتعلقة بممارسة الطب من قواعد الإسلام و الشريعة, فالشريعة الإسلامية تعتمد على نظام كامل من الأخلاقيات, مما يجعلها قادرة على التعامل مع كل المشكلات الطبية الأخلاقية من وجهة نظر قانونية وشرعية. وفي نفس الوقت فإنها تتميز بمرونة تجعلها تتكيف مع المشكلات الحديثة.
(7) وحيث أن خطأ الطبيب لا يقارن بأي خطأ آخر من البشر لما يعقبه من عواقب وخيمة على المريض وأهله فلابد من أن يتخذ الطبيب لنفسه غايةً في ممارسته لمهنته، وهي واجب المحافظة على الحياة الإنسانية والدفاع عنها، وعلاج المرضى وتخفيف الألم، وذلك كله بقدر الاستطاعة، وأن يبذل جهده في تحقيق هذه الغاية، ولا ينبغي أن يكون دافعُه الرئيسي من ممارستها تحقيقَ المنفعة الشخصية أو الكسب الماديّ. لذلك دأبت المؤسسات العلمية المعنية والجمعيات الطبية على أرجاء العالم على دراسة السُبل الواجب توفرها لتهيئة الطبيب وتيسير استقوائه للحيلولة دونه والهنات والأخطاء أو حتى التقليص من مخاطرها عبر برامج التدريب المتأني الرصين وفرضية اكتساب الأطباء للتعليم المهني المستمر والمواكبة.
وفي هذا المقام تتلخص مسببات الأخطاء والمضاعفات المترتبة عليها كالآتي:
(أ) أسباب الأخطاء الطبية:
قد تنجم واقعة الخطأ الطبي من مُسَببات منها الجهل، النسيان والإهمال، الخطأ غير المقصود وذلك المُتَعمد المَقصود، وحول كل منها يذكر الآتي:
(1) الجهل: ويعني مَنقَصة الطبيب بمواضع الخبرة ومحدودية المعرفة، حيث أن انتقاص العلم والمعارف وانعدام المواكبة للمحدثات في عالم الطب والتطبيب، تعكس تضاؤل الخبرات وفقدان سمات التصريف الأنسب مما يتسبب في واقعة الخطأ. فعليه أن يستشير غيرَه من الأطباء الذين لهم خبرة بالمرض الذي يعالجه، إن كان يجهل كيفية تشخيصه أو طريقة معالجته، لقوله تعالى “وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ " (8) وعليه أن يتنحَّى عن معالجة المريض ويتركها لمن يكون أقدَرَ عليها من الأطباء إن كان لا يأنَس من نفسه القدرةَ على ذلك وعليه فرض عين لازم أياً كان مستواه الاستمرار في التعلم والتواصل الدائمً مع أحدث المستحدثات العلمية و الطبية والإستقواء علي آفة الجهل بتوسيع المدارك والآفاق.
(2) النسيان والإهمال: من وحي سُنة المصطفي رسول الله الأكرم (صلعم) والقائل "من أراد منكم أن يعمل عملاً فليتقنه"، فإن الإهمال وعدم الدقة عند إنجاز العمل منبوذان بشكل عام، إلا أنهما في عالم الطب تعني التحريم وتتسبب في عدم استقصاء المعلومة الطبية الصحيحة والفحص المتأني للمريض والتخبط والعشوائية في العمل مع عدم الحرص في استخدام الوسائل الأنسب للتشخيص، وفي جملتها تؤدي دون شَك إلى اتخاذ القرارات الصحية الخاطئة وبالتالي العلاج الخاطئ، مما يؤدي إلى تزامن الإمراض دون الإشفاء. لا غرو في ذلك علي ضوء المتطلبات الجوهرية لمهنة التطبيب في التأني واستهلاك الوقت الكافي في التفكير والتمحيص قبل اتخاذ القرار. من المُسَلم به أن لأي قرار طبي إيجابيات وعوارض سالبة، عليه فإن حِكمة الطبيب في الموازنة بينهما عند الإقرار بموجهات تقليص العوارض السالبة الي أدنى قدرٍ من احتمالات تضرر المريض. إن خطأ الإهمال والنسيان يعتبران من الكبائر والجنائيات والمآخذ غير المَشروعة التي يحاسب عليها القانون، ولا تعذير حيالها.
(3) الخطأ الغير مقصود: على الرغم من اليقين بأن كل إنجازٍ أو عَمَلٍ لإنسانٍ قد يكون مصحوباً بهـَنـَةٍ من خطأ غير مقصود، ولا يُبرأ منها إلا مَعصوم كامل، إلا أنه ينبغي على الطبيب عند مواجهه الحالات المعروضة عليه، وعلى وجه الخصوص تلك المُستَصعبةِ المُعـَقـدة منها، بالاستفسار و الفحص أو تقرير التشخيص، اتخاذ الحرص واليقظة الدائمين منهجاً دون تساهل، فضلاً عن التزام الحِيطةِ الضرورية لتجنيب وحماية المريض ولا يضار في ذلك استشارة الزملاء من الأطباء عند الشك وعدم اليقين في أمر ما خاص بالمريض، ولابد من التأكيد أن الطبيب في حالة الخطأ الغير مقصود يبقى مُعَرضاً لفرضية المساءلة والمحاسبة، ناهيك عن مغبة الإحساس بالخطأ وتأنيب الضمير والتأثير على السمعة بين الجمهور والوسط الطبي.
(4) الخطأ المًًَقصود أو المُتَعمد:
يجب أن ألاّ يوجهَ الطبيب إمكاناته وخبراته للأذى أو التدمير، أو إلحاق الضرر البدنيّ أو النفسيّ بالإنسان، فرُوي عن أبي صِرْمة أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: "من ضارّ مسلمًا ضارّه الله". لذلك يحسب خطأ الطبيب المًًَقصود أو المُتَعمد و الذي يُرتَكب عن سابق إصرار وترصد لإيذاء المريض وإهلاكه جرم كبير وخيانة عظمي تتناقض مع أبجديات شرف المهنة فضلاً عن خيانة الأمانة، غير مقبولة التعذير، كما هي جريمة جنائية يعاقب عليها القانون، ولا مناص من العقوبة الدنيوية عليها بالحرمان من مزاولة المهنة بسحب الترخيص، إضافةً علي العقاب الجنائي المدني، مترتباً عليها وصمات العار والانحطاط، وحساب الله عليها أشد وأعدل، وذلك بطبيعة الحال بعد إثبات تعمد الطبيب للخطأ. لذا لابد للطبيب أن ينأى بنفسه ويتجنب أي فعل يشوبه مؤشر للإضرار بالمريض، وعليه عند التعامل مع المريض التجرد والارتقاء عن النفس الأمارة بالسوء من حقدٍ وكراهيةٍ وحسد أياً كان منزلة وقرب وصلة المريض له. وأن يكون عمل الطبيب مجردًا عن العوامل النفسية التي قد تؤثِّر في أدائه، فليس له أن يفرِّق بين المرضى بحسب الدين، أو العقيدة، أو الجنس، أو اللون، أو الفكر، أو نحو ذلك، فقد قال الحق سبحانه: (فلا تَتَّبِعوا الهوَى أن تَعْدِلوا وإن تَلْوُوا أو تُعرِضوا فإن اللهَ كان بما تعملون خبيرًا (9).وعليه أن يعالج العدو كما يعالج الصديق، فليس له أن يغيِّر من طريقة علاجه مع أعدائه، قال تعالى: "ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنٌ قومٍ على ألاّ تَعدِلوا اعدِلوا هو أقرَبُ للتقوى".(10) فيكون الهدف الأساس له في تعامله مع الحالة هو الارتقاء بصحة الإنسان وتقديم كل ما يمكن تقديمه من خدمة إنسانية ومهنية مع مراعاة أفضال الله جل جلاله في توفيقه علي ماهو عليه لخدمة وإنقاذ الإنسان. وعلى الطبيب استدامة استذكار القسم المُقَدس الذي التزم به أبان تخرجه من كلية الطب وهو الملزم على مراقبة الذات وخشية الله مع التفاني والإخلاص أثناء العمل.
(5) الخطأ بسبب التعرض لحقوق المريض:
تتنوع مسببات هذا الخطأ وقد تنشأ بسبب إهمال أو عدم اكتراث الطبيب أو جهله بالمبادئ الأساسية التي تربط العلاقة بين الطبيب ومريضه ومنها على سبيل المثال لا الحصر: أ‌- إفشاء أسرار المريض سواء المرضية أو الأسرار الشخصية والتي تتسبب في الكثير من المشاكل سواء كانت للمريض أو لأقاربه. إن كتمان السر يعتبر من ابدهيات العمل الطبي فضلاً عن إن الله سبحانه وتعالى يأمرنا بالستر.
ب‌- عدم الالتزام بالمعايير المهنية في التعامل مع المريض:
لابد على الطبيب من احترام المريض وأن يكون لطيفاً حنوناً ورحيماً في تعامله مع المريض الإنسان الذي يعاني من المرض جسدياً أو نفسياً. كما يجب أن يكون الطبيب متواضعاً وأن لا يتعامل مع المريض بأي نوع من الجفاء أو الكبرياء وأن يتجنب النظرة الدونية أو الاستهزاء أو السخرية مهما كان مستوى المريض العلمي أو الأدبي أو الاجتماعي بل أن يتذكر دائماً بان الله سبحانه وتعالى جعله وسيلة لمساعدة المريض ولكي يعامله بالرفق والمودة.
ج‌- عدم احترام خصوصية جسد المريض:
على الطبيب المحافظة على احترام جسد المريض وخصوصاً أماكن العورة ولا يجب الإسراف في تعرية الأجزاء الغير معنية بالفحص إلا بالقدر الذي تقتضيه عملية الفحص وذلك بعد الاستئذان منه وخصوصاً عندما يكون الطبيب والمريض من جنسين مختلفين.
د‌- عدم تقديم الرعاية الطبية لمرضى الأمراض المعدية:
على الطبيب الاستمرار في تقديم خدماته الطبية لجميع المرضى سواءً المصابين بأمراض غير معدية أو تلك المعدية حتى اللحظات الأخيرة من حياتهم.
هـ- تقديم الخدمات الطبية دون رضا المريض:
لا يسمح للطبيب تقديم خدماته أو معالجة المريض دون رضاه ما عدا في الحالات الطارئة والعمليات المستعجلة ولا يجوز فرض العلاج على المريض وأن لا يرغم على توقيع أية بيانات لا تتماشى مع حالته الصحية والمرضية. إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في دورته الخامسة عشرة بسلطنة عُمان في 2004 ، (11) قد قرر "أن يكون الطبيب ضامناً إذا ترتب عمله ضرر بالمريض في عدة حالات منها: إذا تعمد إحداث الضرر وإذا كان جاهلاً بالطب ، أو بالفرع الذي أقدم على العمل الطبي فيه أو إذا كان غير مأذون له من قبل الجهة الرسمية المختصة وإذا أقدم على العمل دون إذن المريض أو مَن يقوم مقامه " وإذا غرر بالمريض وإذا ارتكب خطأ لا يقع فيه أمثاله ولا تقره أصول المهنة ، أو وقع منه إهمال أو تقصير وعندما يفشي سر المريض بدون مقتضى معتبر أو إذا امتنع عن أداء الواجب الطبي في الحالات الإسعافية.
هذا ويكون الطبيب مسئولا جزائياً في الحالات السابق ذكرها إذا توافرت شروط المسؤولية الجزائية فيما عدا حالة الخطأ فلا يُسأل جزائياً إلا إذا كان الخطأ جسيماً .
(ب) المخاطر والمضاعفات الناتجة من الأخطاء الطبية:
تتفاوت مضاعفات الأخطاء الطبية بين البسيط منها والكبير، فالبسيطة منها قد تتسبب في معاناة المريض وأما الكبيرة فقد تؤدي بحياة الإنسان أو تتسبب في مضاعفات وعاهات مستديمة. كما وأن الخطأ في ذاته، قد يقع في مراحل مختلفة أيضاً، فهو قد يكون عند بداية التعامل مع المريض أو عند تشخيص المرض أو عند طلب الفحوصات التشخيصية الغير لازمه و التي قد تضر بالمريض أو عند وصف الدواء أو في مراحل العلاج المختلفة.
الخطأ في التشخيص قد يتسبب في بقاء المرض سارياً مزمناً في جسم المريض كامناً من خلاياه شاخصا في أعضائه متمكنا من الانتشار في جميع أنحاء البدن، مما يؤدي إلى مضاعفات قد يَصعبُ عِلاجها لاحقا، أو يكون السبب في عِلة المريض بآلام مُزمِنَة، ونفسية متدهورة، تؤرق مضجعه وأسرته.
كذلك فان خطأ التشخيص لا محالة ينعكس تجاوزاً في جُرعات التَداوي أو وصفة العلاج، مما يعني استفحال المرض دون شفاء، فضلاً عن التهلكة في المال والعافية نتيجة تناول العقاقير المختلفة و الاستزادة من الاستشارات الطبية المتعددة، والتي قد تتطور إلي قرار المريض للسفر قاصدا الاستشفاء في بلاد أخرى بكل متطلباتها وذلك من تحاليل إضافية ومصاريف مرهقه له ولأسرته. أما الخطأ في كتابة العلاج والوصفة الطبية، فقد يؤدي إلى تفاقم المرض وإدمان العقاقير بما قد تحتويه مستحضراتها من مفعول ضار، وما قد ينجم عنها من تفاعلات غير محمودة، ناهيك عن التكلفة غير المبررة. هناك العديد من الأمراض التي تحتاج إلى تشخيص و من ثم علاج فوري وفَعٌال، وحالة ألا يتم ذلك فقد تتطور العِلة إلى مرض مزمن يستصعب على الطبيب معالجته. أما في بعض أمراض الأعضاء الحساسة من بدن الإنسان فإن استخدام الأدوية الخاطئة قد تؤدي إلى تدهور الحالة اللا رجعي وضمور الأعضاء وتلفها ومن ثم الوفاة.
إن للخطأ في تحديد نوع العلاج مخاطر عديدة، فالخطأ، علي سبيل المثال، في إجراء العمليات الجراحية يتسبب في مضاعفات جسيمة ونفسية عديدة للمريض، كما أن عدم التأني وأخذ الحيطة والحِرص أثناء العمليات الجراحية تؤدي إلى احتمالات الإصابة بمضاعفات ما بعد العملية من التهابات جرثومية أو نزيف أو انفتاح في أماكن الخياطة. فضلاٍ عن أن الإهمال و عدم الحرص وغياب الإنتباهة أثناء العملية، قد يتسبب في احتمالات نسيان مواد طفيلية أو أدوات جراحية في جسم المريض تتسبب دون شك في كثير من المشاكل المتنوعة المؤذية.
إننا لا ندعي الكمال للطبيب، ولا نتوقع منه تمكنه من شفاء جميع الأمراض علي إطلاقها، حيث أن الشافي هو الله وحده، وما الطبيب إلا وسيلة لنعمته تعالى اصطفاها الله بحظوة مهنة مُقَدسة وإكرام منهمر وفائض الثواب على فضائل الإبراء والإشفاء، إلا إن علي الطبيب الاستزادة الدائمة من العلم بهدف توسيع مداركه والإقلال من احتمالات الخطأ أثناء العمل من ذلك قوله تعالى: (وقل رَبِّ زِدْني علمًا) (12) ورُوي عن أبي أمامه أن رسول الله ـ صلى الله عليه واله وسلم ـ قال: "فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، وإن الله عز وجل وملائكته وأهل السماوات والأرضيين، حتى النملة في جحرها وحتى الحوت، لَيُصَلُّون على معلِّم الناسِ الخيرَ". إن من أهم الأمور المتعلقة بممارسه الطب هو أخلاقيات الطبيب حيث إنه و لسنوات طويلة سابقة فأن الأطباء المسلمين القدامى قد أقروا على التزام الطبيب بالأخلاقيات الحميدة التي ذكرت بإسهاب في المؤرخات الطبية المتعددة. (13) لذا على الطبيب الالتزام بأخلاقيات المهنة وعدم نسيان القسم الطبي الذي اتخذه عهدا على نفسه قبل ممارسته للمهنة.
نسأل الله جل جلالة التوفيق والسداد لتمرس هذه المهنة بعد الإخلاص والتفاني في العمل.
المراجع :
1. القانون الشيخ الريس أبو علي ابن سيناء
2. الحاوي محمد بن زكريا الرازي
3. Abū Bakr Muhammad Ibn Zakarīya al-Rāzi. http://en.wikipedia.org/wiki/Rhaze
4. Zikria B A. Adab Al –Tabib http://www.islam-usa.com/im8.html
5. http://www.islamonline.net/livefatwa/arabic/Guestcv.asp?hGuestID=OkNi1P
6. http://www.alazharonline.org
7. www.islamonline.net/arabic/daawa/2005/05/article07.shtml - 66k
8. http://www.islamonline.net/arabic/contmporary/2004/09/articles05.shtml#000
9. سورة النحل ايه43
10. سورة النساء آية:135
11. سورة المائدة آية:8
12. http://www.zuhayli.net/decision.htm#8
13. سورة طه آية:114